تربية الأبناء على احترام الآخرين.. والعمال والخادمات نموذجًا..

احترام الخادم ليس تفضّلًا

الطفل يتعلم مما يرى أكثر مما يسمع

علّموا أبناءكم الشكر

لا تجعلوا الخادمة أو العامل وسيلة لتفريغ غضب الأبناء

لا تربطوا الكرامة بالمال أو الوظيفة


من أجمل ما يمكن أن يورثه الوالدان لأبنائهما حسن الخلق، ومن أعظم صور حسن الخلق أن يتعلم الطفل احترام الآخرين، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم.

وتظهر تربية الأبناء على احترام الآخرين بصورة واضحة في تعاملهم مع العمال والخادمات ومن يقدمون لهم الخدمات؛ فهذه الفئة قد تكون الأقرب إلى الطفل في حياته اليومية، ولذلك فإن طريقة تعامل الأبناء معها تكشف كثيرًا مما تعلموه في البيت.

إن الطفل لا يولد وهو يعتقد أن شخصًا أفضل من شخص، وإنما يتعلم ذلك من البيئة المحيطة به، فإذا سمع والديه يتحدثان مع الخادم باحترام، ويشكرانه على عمله، وينهونه عن السخرية منه أو رفع الصوت عليه، نشأ وهو يرى احترام الآخرين أمرًا طبيعيًا، أما إذا رأى الإهانة والاستخفاف بمن يعمل في المنزل أو في الشارع أو المدرسة، فقد يتعلم أن قيمة الإنسان مرتبطة بوظيفته أو ماله، وهذه فكرة خطيرة ينبغي أن تُعالج منذ الصغر.

احترام الخادم ليس تفضّلًا

من المهم أن يفهم الأبناء أن العامل أو الخادمة حين يؤدي عمله فهو لا يفقد بذلك كرامته الإنسانية، وليس من حق أحد أن يهينه أو يسخر منه أو يعامله بتكبر.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم»، ثم أوصى بحسن معاملتهم وإطعامهم مما يأكل الإنسان وإلباسهم مما يلبس.

وهذا لا يعني إلغاء الحقوق أو منع التوجيه والتأديب عند الخطأ، وإنما يعني أن المطالبة بالحق ينبغي أن تكون بأدب وعدل، دون ظلم أو إهانة أو تحقير.

الطفل يتعلم مما يرى أكثر مما يسمع

قد يجلس الأب أو الأم مع أبنائهم ويحدثونهم طويلًا عن الأخلاق والرحمة والاحترام، ثم يرونهم في موقف آخر يصرخون في وجه الخادم أو يتحدثون معه باستخفاف.

في هذه الحالة ستكون الرسالة التي وصلت إلى الطفل هي السلوك العملي، لا الكلام النظري، ولهذا فإن تربية الأبناء تبدأ من الوالدين أنفسهم.

عندما يقول الأب: «من فضلك»، ويقول للأم: «شكرًا لك»، ويتعامل مع العامل باحترام، ويعتذر إذا أخطأ في حق أحد، فإن الطفل يتعلم دون درس مباشر أن احترام الناس خلق ثابت، وليس سلوكًا نستخدمه مع أشخاص ونتركه مع آخرين.

علّموا أبناءكم الشكر

من أبسط الوسائل التربوية أن نعود الطفل على كلمة «شكرًا».

فإذا قدمت له الخادمة الطعام، أو ساعده العامل في شيء، أو حمل عنه شيئًا، فلا بأس أن نقول له: «قل له شكرًا»، أو «اشكرها على مساعدتها».

وهذه الكلمة الصغيرة تغرس في نفس الطفل معنى عظيمًا: أن ما يقدمه الآخرون له ليس شيئًا يستحقه بلا تقدير.

كما ينبغي أن نعلمه أن طلب الخدمة لا يعني إصدار الأوامر بطريقة متكبرة؛ فيقول: «من فضلك، هل يمكنك أن تساعدني؟» بدل الصراخ أو الإهانة.

لا تجعلوا الخادمة أو العامل وسيلة لتفريغ غضب الأبناء

من الأخطاء التربوية أن يسمح الوالدان للطفل بأن يصرخ على العاملة أو يسخر منها أو يضربها أو يتعمد إزعاجها بحجة أنها تعمل في المنزل، بل ينبغي أن تكون هناك حدود واضحة: لا ضرب، ولا سب، ولا سخرية، ولا رفع للصوت بغير حق، ولا تخريب لأغراض الآخرين.

وإذا أخطأ الطفل في حق أحد، فلا ينبغي تجاهل الأمر؛ بل يُطلب منه الاعتذار، ويُشرح له سبب خطئه، حتى يتعلم أن للآخرين مشاعر وحقوقًا كما له هو مشاعر وحقوق.

لا تربطوا الكرامة بالمال أو الوظيفة

من المهم أن يسمع الطفل من والديه عبارات واضحة مثل: «الإنسان لا يصبح أفضل من غيره لأنه يملك مالًا أكثر»، «وظيفة الإنسان لا تجعلنا نحتقره»، «نحن نحترم الناس لأنهم بشر، ونحسن إليهم لأن ديننا يأمرنا بحسن الخلق».

فبهذه المعاني ينشأ الطفل بعيدًا عن التعالي الطبقي، ويكبر وهو يدرك أن المال والمنصب والوظيفة أمور لا تمنح الإنسان حق إهانة غيره.

ومن المهم أيضًا ألا نفهم الاحترام بطريقة خاطئة، احترام العامل أو الخادمة لا يعني أن نسمح لهما بالخطأ دون توجيه، كما أن الرحمة لا تعني ترك الحقوق أو الفوضى، إذا أخطأ أحد فله أن يُنصح ويُوجَّه، لكن بالعدل والأدب، بعيدًا عن السب والشتم والإهانة والتشهير.

وهذه فرصة عظيمة ليتعلم الطفل أن الإنسان يستطيع أن يطالب بحقه دون أن يظلم غيره، وأن الحزم يمكن أن يجتمع مع الرحمة.

ازرعوا في أبنائكم معنى المراقبة

ومن أجمل ما نربي عليه أبناءنا أن الأخلاق لا تتغير بتغير الأشخاص، فليس المطلوب أن يحسن الطفل التعامل مع الضيف فقط لأنه يراه مهمًا، ثم يسيء إلى العامل لأنه يظن أنه لن يعاقبه أحد بل نقول له: «الله يراك في كل مكان، ويعلم كيف تعامل الناس».

فإذا استقرت هذه الرقابة في قلبه، أصبح احترامه للآخرين نابعًا من قناعة داخلية، لا من خوف من الوالدين.

كلمة أخيرة

إننا حين نعلّم أبناءنا احترام العامل والخادمة والبائع والسائق ومن يقدم لهم أي خدمة، فنحن لا نعلّمهم مجرد «أسلوب تعامل»، بل نبني في داخلهم إنسانًا يعرف الرحمة، ويبتعد عن الكبر، ويعرف للناس حقوقهم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».

والبيت الذي يتعلم فيه الطفل أن يقول «من فضلك»، و «شكرًا»، و«آسف»، وأن يرحم الضعيف، ويحترم الكبير، ولا يسخر من أحد، هو بيت يزرع في المجتمع جيلًا أكثر رحمة وأدبًا وإنسانية.

ولعل أجمل تربية نقدمها لأبنائنا أن نجعلهم يرون في بيوتنا أن احترام الإنسان ليس مرتبطًا بمقدار ما يملك، ولا بنوع عمله، وإنما هو خلق نبيل ودين ومسؤولية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *